مساء الثلاثاء والجزمة السوداء
ليلة البارحة وأنا اقرأ في رواية (العمى) لكاتبها البرتغالي "جوزيه ساراماغو"، وصلت إلى مقطعٍ كان كفيلا بأن يعيد عقارب الزمن إلى الوراء البعيد، إلى ذكرى جميلة، ذكرى ظل صداها مدويًّا في حجرة اللاوعي. عميان ساراماغو بعد تمكنهم من الفرار خارج أسوار مستشفى الأمراض النفسيّة، ظلّوا يتسكّعون في شوارع مدينتهم المنكوبة بداء العمى الغريب (عمى البحر الحليبي الأبيض) لا عمى العتمة والظلام كما هو معروف. دخل العميان محلًا تجاريا لبيع الملابس والأحذية، وهنا انقدحت شرارةٌ في جدار الذاكرة، كانت كفيلة بأن تشعل سجلات الماضي ودفاتر الطفولة. للوهلة الأولى، حين مررت في ثنايا الكلمات على كلمة (الجزمة)، تذكّرت موقفا حصل لي في زمن الطفولة الجميل، الموقف محاط بقشرة سميكة من الرتابة، لكن لا نمتلك نحن البشر أن نلغي هذه الرتابة، ولا نستطيع أيضا أن نقفز فوق أسوارها متخطّين هذه القطعة التي تشكّل جزءًا من ماضينا. قبل حوالي أربعةٍ وعشرين عامًا، حين كنت بالصف الثالث الإبتدائي، طلبت من والدي، أن يشتري لي جزمةً رياضيّة، كان هذا اليوم، حسب (أحفورة) عثرت علي...