مساء الثلاثاء والجزمة السوداء
ليلة البارحة وأنا اقرأ في رواية (العمى) لكاتبها البرتغالي "جوزيه ساراماغو"، وصلت إلى مقطعٍ كان كفيلا بأن يعيد عقارب الزمن إلى الوراء البعيد، إلى ذكرى جميلة، ذكرى ظل صداها مدويًّا في حجرة اللاوعي. عميان ساراماغو بعد تمكنهم من الفرار خارج أسوار مستشفى الأمراض النفسيّة، ظلّوا يتسكّعون في شوارع مدينتهم المنكوبة بداء العمى الغريب (عمى البحر الحليبي الأبيض) لا عمى العتمة والظلام كما هو معروف. دخل العميان محلًا تجاريا لبيع الملابس والأحذية، وهنا انقدحت شرارةٌ في جدار الذاكرة، كانت كفيلة بأن تشعل سجلات الماضي ودفاتر الطفولة.
للوهلة الأولى، حين مررت في ثنايا الكلمات على كلمة (الجزمة)، تذكّرت موقفا حصل لي في زمن الطفولة الجميل، الموقف محاط بقشرة سميكة من الرتابة، لكن لا نمتلك نحن البشر أن نلغي هذه الرتابة، ولا نستطيع أيضا أن نقفز فوق أسوارها متخطّين هذه القطعة التي تشكّل جزءًا من ماضينا.
قبل حوالي أربعةٍ وعشرين عامًا، حين كنت بالصف الثالث الإبتدائي، طلبت من والدي، أن يشتري لي جزمةً رياضيّة، كان هذا اليوم، حسب (أحفورة) عثرت عليها في أعماق تربة الذاكرة (يوم الثلاثاء) والفصل ربيعيٌ، حيث الأجواء كانت بين بين، إذ الأجواء وقتذاك مزيجٌ من حرارة متوسطة في الظهيرة وبرودة تغلّف نسائم الليل، وقد أخبرت والدي بهذا الطلب الصغير في المساء، بعد أن غادر الضيوف مجلسنا، والجدير بالذكر أن والدي آنذاك لم ينخرط بعد في سلك الخدمة المدنيّة، الظروف الماديّة لم تكن مواتية، والوقت مساء، ونحن نعيش في قرية من قرى الأحساء لا مدينة، كالهفوف أو المبرّز، اللتين تعجّان بمحلات بيع التجزئة.
اعتذر والدي، وأخبرني أنه من غير الممكن توفير الجزمة، وعليَّ أن أخلد إلى النوم، ذهبت إلى سريري، والحزن فاغرٌ فاه؛ ليبتلع ما تبقى من الفرح والمرح اللذين أنتجتهما بريق تلك الليلة النموذجية (ليلة الأربعاء). وفي وقتٍ مبكّر من صباح الأربعاء، أيقظتني أختي، وهي تزف إليَّ خبرا يفوح شذًا: "انهض فقد اشترى والدي لك جزمةً رياضيّة سوداء".
لا أتذكّر الآن، بعد مرور عقدين من الزمن، ما إذا كنت قد سألتها عن سرِّ هذا التحوّل في المشهد، موافقة بعد رفضٍ تام، ولا أظن أن في قريتنا - وهي التي تختلف بعض الشيء عن المدينة - دكّانا لا زالت أنواره مضاءة إلى ذلك الوقت المتأخّر من الليل.
أخذت الجزمة ولبستها، اعتراني شعورٌ بالفرح والبهجة، طيلة ساعات ذلك اليوم. وما يهمّني في هذا المشهد المقتطع من التاريخ، هو أن الليل والنهار يتعاقبان علينا ويقوم كوكبنا بالدوران حول هذا الجرم السماوي الهائل ذلك الملقّب بـ(سلطان الطبيعة)؛ فدوران الأرض حول الشمس كفيل بتعاقب فصول السنة، وسنة إثر سنة، نكبر ونتقدّم بالعمر، ولا نشعر بالدور الخفي لآبائنا وأمّهاتنا، فالآباء والأمّهات يتجشّمون عناء الحاجات التي نطلبها منهم، ويسعون جاهدين بكل ما آتاهم الله من فضله لتلبيتها، لكننا ننسى أحيانا، ولا نفهم حينا آخر، ما يدور خلف الكواليس من بطولات يسطّرها آباؤنا؛ إذ كيف استطاع والدي في وقت متأخر من الليل أن يجد محلا لبيع الأحذية مشرعا أبوابه، ومن أين وفّر قيمته، وهو قد أخبرني بنفاد المال في تلك الليلة؟!
عبدالرحمن علي
١٦ جمادى الأولى ١٤٤٠هـ.
تعليقات
إرسال تعليق